ابن تيمية
9
مجموعة الفتاوى
وَالْقَمَرَ فَيَقُولُ : جَاءَنِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَهَذَا قَوْلُ " الْنُّفَاةِ " مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ ؛ لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ يُثْبِتُونَ مِن الرُّؤْيَةِ مَا لَا يُثْبِتُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدُوهُ . وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ " مِن السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِن الفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْعَامَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ أَيْضاً ؛ فَإِنَّ نُزُولَهُ وَإِتْيَانَهُ وَمَجِيئَهُ قَدْ يَكُونُ بِحَرَكَةِ مِن العَبْدِ وَقُرْبٍ مِنْهُ وَدُنُوٍّ إلَيْهِ وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى انْكِشَافِ بَصِيرَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّ هَذَا عِلْمٌ وَعِنْدَهُمْ يَكُونُ ذَلِكَ بِعِلْمِ مِن العَبْدِ وَبِعَمَلِ مِنْهُ فَهُوَ كَشْفٌ وَعَمَلٌ . وَلَا يُنْكِرُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ مِن العَبْدِ حَرَكَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا قَدْ يُنْكِرُونَ حَرَكَتَهُ إلَى اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ شَبَّهَ بَعْضُهُمْ مَجِيءَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ : { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } أَيْ الْمُوقَنُ بِهِ مِن المَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ . قُلْت : هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى } وَقَوْلِهِ : { فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ } وَقَوْلِهِ : { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } وَجُعِلَ فِي ذَلِكَ هُوَ ظُهُورَهُ وَتَجَلِّيهِ . قُلْت : وَلَيْسَ هُوَ مُجَرَّدَ ظُهُورِهِ وَتَجَلِّيهِ وَإِنْ كَانَ مُتَضَمِّناً لِذَلِكَ ؛ بَلْ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِحَرَكَةِ الْعَبْدِ إلَيْهِ ثُمَّ إنْ كَانَ سَاكِناً كَانَ مَجِيئُهُ مِنْ لَوَازِمِ مَجِيءِ الْعَبْدِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَرَكَةٌ كَانَ مَجِيئُهُ بِنَفْسِهِ أَيْضاً وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ ذَاهِباً إلَيْهِ وَهَكَذَا